محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

230

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وأما الاستشراف إلى الرزق مع قطع نظره عن الخلق ، فلا يضرّه ذلك ؛ لأنه خلق ضعيف ذو فاقة ، ورزقه معلوم لا بد منه ، فاستشرافه إلى الرزق في الحقيقة استشراف إلى الرازق ، ولا ينافي ذلك حقيقة العبودية ، ولكن إن كثر منها الاستشراف إلى الرزق وشغلت صاحبها عن دوام المحاضرة والمناجاة مع الحق فليصرفها عن ذلك صرفا جميلا ، ولينهج لها من التعلّق والتوثّق باللّه سبيلا ، قال الشيخ أبو عبد العزيز المهدوي ، رضي اللّه تعالى عنه : « كنت في بدايتي واقفا بين العشاءين أصلي وأنا فارغ بلا سبب حتى جاءتني النفس فقالت لي : السلام عليكم ، قلت لها : وعليك السلام ، قالت العشاء ! ! فأدهتني بداهية ، فتوقفت ، ثم ألهمني اللّه تعالى أن قلت لها : أتدرين له موضعا ؟ قالت : لا . قلت لها : أتدري أي شيء هو ومتى هو ؟ قالت : لا . قلت لها : أنا ربّ أو عبد ؟ ! قالت : عبد ، قلت لها : فالعبد يقدر على شيء ؟ ! ما هذا الكفر والشرك اللذان أتيتني بهما ، اهربي إلى خالقك فاطلبي منه العشاء ؛ لأنه خالقك والقادر على كل شيء فيعطيك ويجيب لك ما طلبت ، فتطعمي وتأكلي فمالك وإياي ، وما هذه الحيرة ؟ قال : فذهبت إلى خالقها . فجاء عشاء متمكن كثير ، فأكلت . قال : وكذلك يحتج عليها ، ومن هنا تثبت الأقدام . وذكر أيضا مسألة عظيمة مفيدة تتضمن كيف يكون حال الفقير بالنسبة إلى الرزق ، وما تحتاج بينته من الرفق ، وجعلها من قواعد الفقر والإرادة ، فرأينا ذكرها في هذا الموضع من الواجب المتيقين ليتحقق في العمل بها كل من يقف عليها من مريد مبتدىء ، قال رضي اللّه عنه : « إعلم أن الفقير لا يخلو ، إمّا أن يكون جالسا أو ماشيا . أمّا قاعدة الجالس فإن جلسته موضع أليته ، وهو مكانه وزمانه طرف سجادته لا يتعداها ولا يكون التفاته لوقت ، ولا إلى سبب معلوم ، لأنه لا يدري الأوقات ما هي ، ولا يجدها ، ولا يدري متى هي ، ولا وقتها ، ويعلم أن جميع الأشياء تطلبه ، وتحتاج إليه ، لأنها خلقت من أجله وهو خليفة فيها ، وقد فرغ من جمعها ، فالالتفات والأمل لماذا ؟ ! بل يكون هدفا للأقدار تجري عليه ولا كسب له ولا سبب في التحصيل . ثم قال : وأما الماشي من الفقير الذي يكون في سفر أو غيره فلا تجاوز همّته خطوته . مثاله : أن يكون ماشيا فخطر له التغيّر والالتفات إليه من بلد أو شخص أو مطعم ، أو مشرب ، فيهلك ، ويظفر به العدوّ ، وتزلّ قدمه ؛ فإن تمادى في التعلّق بشيء من هذه القواطع والشواغل ومشى إلى شيء منها وفقده ، ومات مات قاتل نفسه ؛ وذلك أنه يكون في يوم صائف ووهج ، وقد أصابه العطش الشديد ، فيعرض له خيال ماء ، فيجيء العدوّ فيروّج عليه أنّ أسرع تلحق ذلك الماء فتشرب منه فيزول عطشك ، فإن مشى راكنا إلى هذا الخاطر يجيء للموضع فيجده سرابا ، فهناك يظفر به ويقول له : الآن تموت ، فيقتله من ساعته ، فيموت قاتل نفسه ؛ إذ كان جاهلا بربّه وآياته ، ولم يعرف